«مرحبًا يا جماعة.. هل تعرفون أين تقيم عائلة عبد الرحمن الممتدة في الإسكندرية تحديدًا؟». بهذه الرسالة استيقظت كريستين الخولي، مراسلة مجلة «نيو لاينز» في مصر، على نقاش داخل مجموعة عبر تطبيق «واتساب» تضم صحفيين مقيمين في القاهرة، في صباح اليوم التالي لانتخابات التجديد النصفي الأمريكية. وبينما كانت النتائج لا تزال تتوالى، استحوذ سباق مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان على اهتمام مصري لافت، بعدما ألقى الطبيب المصري الأمريكي عبد الرحمن السيد خطاب النصر، في فوز أثار تفاعلات واسعة داخل مصر وخارجها.


ورصدت الخولي، في تقريرها المنشور بمجلة «نيو لاينز» تباين ردود الفعل المصرية تجاه فوز السيد، بين الاحتفاء بأصوله المصرية والإسكندرانية، والسخرية من حملات التشويه التي استهدفته بسبب هويته الإسلامية، وصولًا إلى مواقف رافضة للاعتراف بانتمائه إلى مصر، في مشهد عكس تباينًا في نظرة المصريين إلى هذا الحدث السياسي الأمريكي.
 

وأشارت الكاتبة إلى أن السيد ليس أول عضو مصري أمريكي في مجلس الشيوخ، إذ سبقه جورج حلمي، الذي عُيّن ممثلًا عن ولاية نيوجيرسي عام 2024، لكنه أول مصري أمريكي يصل إلى المنصب عبر الانتخابات، وهو فارق يستحق التوقف عنده.


وعلى الرغم من أن خبر فوزه انتشر سريعًا في القاهرة، فإن الحماس لم يكن حاضرًا لدى الجميع. ففي لقاء حضرته الخولي مساء ذلك اليوم وسط مجموعة من صناع الأفلام والكتاب، سألت الحاضرين عما إذا كانوا قد سمعوا بالخبر، لكنها لم تتلقَّ سوى ردود فاترة. وقال أحدهم ساخرًا: «انتُخب عدد من المصريين، أليس كذلك؟ يبدو أن المصريين سيكون لهم تمثيل في الكونغرس الأمريكي أكبر من تمثيلهم في برلمانهم».

 


احتفاء بالجذور السكندرية وسخرية من الإسلاموفوبيا


رصدت الكاتبة، في المقابل، مظاهر حماس بين بعض المصريين؛ إذ شاهدت خلال رحلة بمترو القاهرة شابة تتابع عبر إنستجرام مقطعًا لخطاب فوز السيد، قبل أن تعيد نشر صورة له في قصص حسابها، مرفقة برموز الألعاب النارية، ثم تغادر القطار في محطتها التالية.


كما امتلأت صفحتها على إنستجرام بمقاطع نشرها صناع محتوى مصريون للاحتفال بالفوز. ودمج أحد الفيديوهات مشاهد للسيد مع الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، ظهر فيها الأخير وهو يلقي ميكروفونًا بثقة، بينما يستعرض السيد خطواته على خشبة المسرح، على أنغام إحدى أغنيات المهرجانات الشعبية.


وركزت مقاطع أخرى على أصول السيد الإسكندرانية، مستفيدة من المنافسة التاريخية، الودية في معظمها، بين الإسكندرية والقاهرة. ولفت الإعلامي المصري عمرو أديب، عبر منصة «إكس»، إلى وجود «زغرودة مصرية» خلال خطاب الفوز، مضيفًا: «قولوا ما شئتم عن أمريكا، لكن الحياة السياسية التي تسمح لعبد الرحمن محمد السيد بأن يصبح عضوًا في مجلس الشيوخ تستحق الإعجاب».


وسخرت فئة أخرى من المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي من الحملات الشرسة المعادية للمسلمين التي استهدفت المرشح خلال الأشهر الثمانية عشر السابقة للانتخابات. وكتب أحد مستخدمي منصة «إكس»: «سنحوّل واجهة البيت الأبيض غربًا لتواجه مكة»، في منشور حصد آلاف الإعجابات وإعادات النشر.


وجاءت بعض أكثر التفاعلات انتشارًا ردًا على منشور لورا لومر، الناشطة اليمينية المتطرفة التي تصف نفسها بأنها «معادية للإسلام بفخر»، وكانت من أبرز مروجي الاتهامات التي ربطت السيد بجماعة الإخوان المسلمين. وكتبت لومر: «آمل أن يتعلم الجميع اللغة العربية».


وأثار المنشور موجة واسعة من الردود، بعدما تجاوز عدد مشاهداته 37 مليون مرة خلال أيام قليلة. ورد بعض المستخدمين بمقاطع من فيديوهات أغنيات مصرية شهيرة، أو مشاهد تلفزيونية أمريكية واسعة الانتشار مدبلجة إلى العربية، بينما أغرق آخرون التعليقات بعبارات «إن شاء الله»، التي اقترنت أحيانًا بعبارات نابية. بل إن أحد الحسابات التي تتابعها الكاتبة بدأ يقدم دروسًا في اللغة العربية.

 


رفض الاعتراف بهويته المصرية وانتقادات للإعلام الرسمي


لكن الاحتفالات لم تكن الموقف الوحيد في مصر. ففي منشور حذفه لاحقًا، رفض أحمد موسى، أحد أبرز الإعلاميين المؤيدين للنظام المصري، الاعتراف بالهوية المصرية للسيد، قائلًا: «عبد ليس له أي صلة بمصر سوى والديه. إنه ليس مصريًا، بل أمريكي، وفوزه لا يعني لنا شيئًا على الإطلاق».


وعلى غرار منتقديه من أنصار حركة «ماجا» الأمريكية، هاجم موسى السيد بسبب مواقفه من المثلية الجنسية، وما وصفه بعلاقاته المزعومة بجماعة الإخوان المسلمين، وموقفه من القضية الفلسطينية، معتبرًا أنه لن يقدم الكثير للقضايا العربية أو الإسلامية.


ولاحظت وكالة «رويترز» غياب التغطية الإعلامية للحدث في وسائل الإعلام الحكومية المصرية. كما سلط الكاتب والصحفي المصري خالد محمود الضوء على الفرصة الضائعة، معتبرًا أن الواقعة «تكشف عجزًا عن التفاعل مع بيئة سياسية واجتماعية مختلفة».


وأقر محمود بأن بعض تصريحات السيد، التي وصف فيها مصر بأنها ديكتاتورية عسكرية، ربما لم تلقَ قبولًا لدى بعض المصريين، لكنه رأى أن ذلك لم يكن ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاهل فوزه التاريخي، بل كان يمكن أن يشكل مدخلًا لحوار جاد ومحاولة لفهم دوافعه وخلفيته.


وكتب محمود أن «الخسارة الأكبر لا تكمن في انتقاد السيد لمصر، بل في أن مصر، عبر وسائل إعلامها، لم تكلف نفسها حتى عناء فهم الرجل الذي يحمل إرثها وأصبح جزءًا من مؤسسة تشريعية مهمة في الولايات المتحدة».


وفي المقابل، نشرت قناة «الجزيرة»، التي علقت الحكومة المصرية أنشطتها المحلية منذ عام 2013، ملفًا مطولًا أعده الصحفي والباحث الاستقصائي المصري عبد الرحمن عياش. وتناول التقرير دلالات اسم السيد سياسيًا، بدءًا من سخرية دونالد ترامب وأنصار حركة «ماجا» المتكررة منه، وصولًا إلى قراره استخدام اسمه الكامل خلال خطاب الفوز، إلى جانب استعراض تاريخ عائلته وتتبع الاتهامات التي ربطته بجماعة الإخوان المسلمين.


وقالت الخولي إنها، بعد أشهر من متابعة كل ما استطاعت العثور عليه من مقالات وحلقات بودكاست تناولت السيد، وجدت أن ملف عياش من أكثر المواد شمولًا وعمقًا مما قرأته عنه.


واختتم عياش تقريره بالتأمل في الدلالة التي يحملها فوز السيد بالنسبة إلى اسم عائلته الذي قطع رحلة طويلة، قائلًا: «الآن، سيخاطب الجمهوريون والديمقراطيون والرئيس ونائبه عبد الرحمن محمد السيد باسم العائلة نفسه الذي كان يحمله بائع الطماطم، جد السيد، في سوق السمك بالإسكندرية».

 

https://newlinesmag.com/running-notes/egypt-reacts-to-abdul-el-sayeds-win/